محمد كرد علي
310
خطط الشام
لأن منها من يزرع الأرض ، ومن أفلح في الفلاحة ، وأيقن على الأيام أن العيش الثابت خير من المتقلقل ، وأن من يدفع للدولة أجرة حمايته ، أهنأ بالا ممن يتكل في حمايته على نفسه وسيفه وعصبيته . وهكذا يقال في عرب الغياث والعمور في اللجا والصفا ، وعرب العدوان والأيديات والعباد والمشالخة والحمايدة والشوابكة والدعجة والعجارمة والنمر والكايد في أطراف عمّان والصلت ومادبا ، والخرشان والجبور في الموقر والعليا والنقيرة ، وبني حميدة والسليط والحجايا والحباشنة والصرايرة والطراونه وكثر ربة والمعايطة والمجالي والمدانات في أرجاء الكرك ، والحويطات والدمانية وأبي تايه والمطالقة والنعيمات والديابات وبني عطية في جهات معان ، وعرب الشرور وبني عطا والهلالات والعبيدية والعلايا في وادي موسى وجبال الشراة ، والحميدات وعبدين والبحارات والكلالدة والوهبيات والمناعين في الطفيلة ، فإن كثيرا منهم يزرعون الأرض ، ويقومون على تعهد الماشية ، وقد يبعدون في الانتجاع ثم يعودون أدراجهم . وعلى مثل هذه الحال عشيرة العمور في أرجاء تدمر وعشائر بوشعبان في السخنة والجبور في البوكمال والكعيدات في الميادين ودير الزور وغيرهم من العشائر النازلة على شط الفرات الغربي ، فإنها كلها نصف متحضرة وبقليل من العناية تدخل في المدنية وتترك عاداتها وشقاءها ، ويسوغ لنا أن نستنتج أن البادية حتى أكثرها إيغالا في البداوة يمكن تحضيرها إذا أكرهت على التحضر خلافا لما يذهب إليه بعض أهل الغرب . وفي الشام قبائل من البدو مثل عرب الروالة من عنزة وهم لا يقلون عن عشرين ألف نسمة ، يتنقلون أبدا كالنور أو الغجر كل مدة في ناحية ، ولا ينزلون المدن إلا لابتياع حاجاتهم وبيع جمالهم وأصوافهم وألبانهم . والنور جيل منحط من الناس يرتحلون كالبدو ويعملون الأعمال الخسيسة ، ولذلك يحتقرهم جميع أصناف العالم من أهل المدن والقرى والبدو ، وهم قلما تخلو منهم بلد ومنهم عدد كبير في أوروبا . ولا تختلف عادات العشائر لأنها كلها في حالة أولية فطرية هدتهم إليها الحاجة إلى الحياة ، فعشائر ولد علي والسرحان والمعجل والسردية والنعيم